‫الرئيسية‬ أخبار محليه خطاب الملك أمام مجلس الأمة… رسائل دولة وثوابت وطن ومسؤوليات مرحلة لا تحتمل التأجيل
أخبار محليه - ‫‫‫‏‫15 دقيقة مضت‬

خطاب الملك أمام مجلس الأمة… رسائل دولة وثوابت وطن ومسؤوليات مرحلة لا تحتمل التأجيل

الرؤيا الإخبارية:-

خطاب الملك أمام مجلس الأمة… رسائل دولة وثوابت وطن ومسؤوليات مرحلة لا تحتمل التأجيل

بقلم: العميد الركن المتقاعد محمد سلامة المساندة

الرؤيا الإخبارية – مقالات وآراء | الاثنين 2 تشرين الثاني 2026

لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، خلال افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، مجرد خطاب بروتوكولي أو مناسبة دستورية تقليدية، بل جاء خطاب دولة بامتياز، حمل رسائل وطنية وسياسية واستراتيجية بالغة الأهمية، ورسم ملامح المرحلة المقبلة، واضعاً مؤسسات الدولة وسلطاتها والمجتمع الأردني أمام مسؤوليات تاريخية تتطلب العمل والإنجاز والوعي والتماسك.

لقد تحدث جلالة الملك بلغة القائد الذي يدرك حجم التحديات، ويعرف إمكانات وطنه، ويثق بشعبه ومؤسساته، فجاء الخطاب واضحاً في مواقفه، حاسماً في رسائله، ومباشراً في تحديد الأولويات، من أمن الدولة وسيادة القانون، إلى الاقتصاد والمياه والقضية الفلسطينية ومسؤولية السلطات الدستورية.

ولعل أبرز ما ميّز خطاب العرش أنه لم يكتفِ بتوصيف التحديات، بل وضع معايير واضحة للمسؤولية والمحاسبة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة نتائج ملموسة، لا مجرد وعود أو شعارات.

أولاً: الأردن دولة راسخة لا تهزها التحديات

استهل جلالة الملك خطابه برسالة وطنية حاسمة في مواجهة الإرهاب، مؤكداً أن أمن الأردن ووحدته خط أحمر، وأن الدولة الأردنية لن تسمح لأي جهة بالمساس بأمنها أو تهديد استقرارها.

وجاء استذكار شهداء الكرك ليؤكد أن تضحيات أبناء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ستبقى حاضرة في وجدان الأردنيين، وأن دماء الشهداء تمثل عهداً وطنياً ومسؤولية أخلاقية لا يمكن التفريط بها.

إن الأردن، الذي واجه عبر تاريخه تحديات وأزمات وتحولات إقليمية كبرى، أثبت أن قوته الحقيقية لا تقوم على الإمكانات المادية وحدها، وإنما على وحدة شعبه، وصلابة مؤسساته، وكفاءة جيشه العربي وأجهزته الأمنية، والتلاحم التاريخي بين القيادة الهاشمية والأردنيين.

فالجيش العربي والأجهزة الأمنية لم يكونوا يوماً مجرد مؤسسات تؤدي واجباً وظيفياً، بل كانوا وما زالوا صمام أمان الوطن، والسياج الذي يحمي أمنه واستقراره وسيادته.

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض علينا جميعاً حماية الجبهة الداخلية، وعدم السماح للشائعات أو محاولات بث الفتنة بإضعاف وحدتنا، لأن قوة الأردن تبدأ من وعي أبنائه وثقتهم بوطنهم ومؤسساته.

ثانياً: فلسطين قضية ثابتة في الضمير والموقف الأردني

وفي الشأن الإقليمي، أعاد جلالة الملك التأكيد على ثبات الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية، وعلى أن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يكون بمعزل عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

كما حمل الخطاب موقفاً واضحاً تجاه الأطماع التوسعية الإسرائيلية، باعتبارها تهديداً لمستقبل المنطقة واستقرارها.

وهذا الموقف ليس جديداً على الدولة الأردنية، بل يمثل امتداداً لنهج هاشمي تاريخي ارتبط بالدفاع عن القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، وحماية حقوق الشعب الفلسطيني، ورفض سياسات التهجير والاحتلال وفرض الأمر الواقع.

لقد أثبت الأردن، بقيادة جلالة الملك، أن المواقف المبدئية لا تخضع للمساومات السياسية أو تبدل الظروف، وأن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية مسؤولية سياسية وتاريخية وإنسانية.

وستبقى القضية الفلسطينية حاضرة في وجدان الأردنيين ومواقف دولتهم، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن السلام الحقيقي لا يتحقق بالقوة أو فرض الأمر الواقع، وإنما بالعدالة والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعوب.

ثالثاً: مجلس الأمة أمام اختبار المسؤولية والإنجاز

وجّه جلالة الملك رسائل واضحة إلى مجلس الأمة، مؤكداً أن المسؤولية البرلمانية لا تقتصر على سن القوانين وممارسة الرقابة، وإنما تشمل أيضاً مستوى الخطاب السياسي والسلوك المؤسسي والقدرة على تمثيل مصالح المواطنين.

إن مجلس الأمة اليوم أمام مسؤولية وطنية كبيرة تتطلب الارتقاء بالأداء البرلماني، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية والمصالح الضيقة.

فالاختلاف في الرأي يجب أن يبقى ضمن إطار الحوار المسؤول، وأن يتحول إلى وسيلة لإنتاج الحلول، لا إلى حالة من الاستقطاب أو تعطيل العمل.

والمواطن الأردني لم يعد ينتظر خطابات مطوّلة أو سجالات تحت القبة، بل ينتظر تشريعات عادلة، ورقابة فاعلة، ومواقف مسؤولة، ونتائج تنعكس إيجاباً على حياته اليومية.

إن قوة البرلمان لا تقاس بحدة الخطابات أو كثرة المداخلات، وإنما بقدرته على أداء دوره الدستوري بكفاءة، وحماية المال العام، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، والدفاع عن مصالح المواطنين ضمن أحكام الدستور والقانون.

رابعاً: المواطن أولاً… فلا قيمة للتنمية إن لم يلمس نتائجها

من أبرز الرسائل التي حملها خطاب العرش تأكيد جلالة الملك ضرورة أن تكون مصلحة المواطن الأردني في صلب القرارات الحكومية والبرلمانية.

وهذه رسالة تتجاوز التوجيه السياسي إلى جوهر فلسفة الحكم والإدارة العامة، فالدولة لا تقاس إنجازاتها بعدد الخطط والاستراتيجيات المعلنة، وإنما بما تحققه من تحسين حقيقي في حياة المواطنين.

إن التحديث الاقتصادي الذي يمضي فيه الأردن يمثل فرصة وطنية مهمة، لكنه يحتاج إلى تسريع التنفيذ، وإزالة المعيقات، وتحويل المشاريع الكبرى إلى نتائج اقتصادية ملموسة.

فالمواطن يريد أن يرى فرص عمل حقيقية لأبنائه، وتحسناً في الخدمات الصحية والتعليمية، وعدالة في توزيع مكتسبات التنمية، وبيئة استثمارية تنعكس آثارها على مختلف المحافظات والمناطق.

وهنا تقع على الحكومة مسؤولية مضاعفة في متابعة المشاريع، وقياس مستويات الإنجاز، ومعالجة مواطن الخلل، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالمرحلة لم تعد تحتمل إدارة الملفات بمنطق التأجيل أو الاكتفاء بالإعلان عن الخطط، بل تتطلب عملاً مؤسسياً جاداً وسريعاً يضع المواطن في مقدمة الأولويات.

خامساً: المياه… أمن وطني ومستقبل أجيال

لعل من أكثر العبارات دلالة في خطاب جلالة الملك تلك الكلمات الثلاث التي جاءت واضحة ومباشرة:

«المياه، المياه، المياه!»

ثلاث كلمات حملت رسالة استراتيجية بالغة الأهمية، مفادها أن الأمن المائي الأردني لم يعد مجرد ملف خدمي، بل أصبح قضية أمن وطني ترتبط بالسيادة والاستقرار ومستقبل الأجيال.

فالأردن يواجه تحديات مائية كبيرة تتطلب تخطيطاً بعيد المدى، وإدارة رشيدة للموارد، وتسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها المشاريع الهادفة إلى تعزيز مصادر المياه واستدامتها.

إن التعامل مع الملف المائي يجب أن يقوم على رؤية وطنية متكاملة تشمل حماية المصادر المائية، والحد من الفاقد، ومواجهة الاعتداءات على شبكات المياه، وتحسين كفاءة التوزيع، وضمان وصول الخدمة إلى المواطنين بعدالة.

كما أن الأمن المائي يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

ومن هنا، فإن توجيهات جلالة الملك تضع الحكومة والجهات المختصة أمام مسؤولية وطنية لا تقبل التأخير، لأن حماية المياه تعني حماية مستقبل الدولة الأردنية بأكملها.

سادساً: سيادة القانون… لا حصانة لمنصب ولا نفوذ فوق الدولة

وفي واحدة من أقوى الرسائل المرتبطة بالإدارة العامة، أكد جلالة الملك أن الوظيفة العامة ليست امتيازاً شخصياً، وإنما مسؤولية تقوم على خدمة المواطنين والالتزام بالقانون.

إن هذه الرسالة تمثل أساساً لبناء دولة المؤسسات، وترسيخ العدالة، وتعزيز ثقة المواطن بالأجهزة الحكومية.

فهيبة الدولة لا تتحقق بالمناصب أو المظاهر الرسمية، بل تتحقق عندما يشعر المواطن أن القانون يطبق على الجميع دون محاباة، وأن المسؤول يخضع للمساءلة مهما كان موقعه.

إن محاربة الفساد الإداري، ومنع إساءة استخدام السلطة، وتحسين جودة الخدمات العامة، ليست مطالب إصلاحية عابرة، بل ضرورات وطنية للحفاظ على قوة الدولة وثقة المجتمع بمؤسساته.

والمسؤول الذي يتولى منصباً عاماً يجب أن يدرك أنه موجود لخدمة الناس، لا ليكون فوقهم، وأن معيار نجاحه هو ما يقدمه للوطن والمواطن من إنجاز حقيقي.

سابعاً: الملك والشعب… عهد من الثقة ومسؤولية الانتماء

اختتم جلالة الملك خطابه برسائل عميقة إلى الأردنيين، عكست طبيعة العلاقة التاريخية التي تجمع القيادة الهاشمية بالشعب الأردني، وهي علاقة تقوم على الثقة المتبادلة والانتماء والوفاء والمسؤولية المشتركة.

فالأردنيون لم يكونوا يوماً مجرد متلقين للقرارات أو متابعين للأحداث، بل كانوا شركاء في بناء الدولة وحماية منجزاتها، وقدموا عبر تاريخهم تضحيات كبيرة من أجل أمن الوطن واستقراره.

إن هذه الثقة الملكية بالشعب تضع على عاتق الجميع مسؤولية المحافظة على الوحدة الوطنية، وتعزيز ثقافة الحوار، واحترام سيادة القانون، والوقوف صفاً واحداً أمام كل ما يستهدف الأردن.

كما تؤكد أن حب الوطن لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بالعمل والإخلاص والنزاهة وحماية الممتلكات العامة والقيام بالواجبات قبل المطالبة بالحقوق.

ختاماً… خطاب دولة ومرحلة تتطلب العمل لا الانتظار

إن القراءة المتأنية لخطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام مجلس الأمة تؤكد أننا أمام خارطة طريق وطنية واضحة المعالم، تتداخل فيها أولويات الأمن والسيادة والتنمية وسيادة القانون وحماية المصالح العليا للدولة.

لقد وضع جلالة الملك النقاط على الحروف، وحدد الأولويات، ووجّه الرسائل إلى مختلف السلطات والمؤسسات، وأعاد التأكيد على أن المواطن الأردني هو الغاية الأساسية من كل جهد وقرار.

ويبقى السؤال الأهم بعد هذا الخطاب: كيف ستترجم الحكومة ومجلس الأمة والمؤسسات المعنية هذه التوجيهات إلى برامج عملية ونتائج يشعر بها المواطن؟

فالمسؤولية اليوم ليست في الإشادة بمضامين الخطاب فحسب، بل في فهم رسائله والعمل بمقتضاها، وتحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ ومؤشرات واضحة للإنجاز.

إن الأردن الذي صمد أمام العواصف، وواجه التحديات، وحافظ على أمنه واستقراره، قادر على صناعة مستقبل أكثر قوة وازدهاراً، شريطة أن تكون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وأن يتحول الانتماء إلى عمل، والمسؤولية إلى إنجاز، والثقة إلى نتائج.

وسيظل الأردن، بقيادته الهاشمية وجيشه العربي وأجهزته الأمنية وشعبه الوفي، وطناً عصياً على التحديات، ثابتاً في مواقفه، شامخاً بتاريخه، وماضياً بثقة نحو المستقبل.

حمى الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والأمان والاستقرار.

العميد الركن المتقاعد محمد سلامة المساندة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مجلس الأعيان يعقد أولى جلساته في الدورة العادية الثالثة

Facebook Twitter Pinterest LinkedIn الرؤيا الإخبارية:- عقد مجلس الأعيان أولى جلساته في الد…