‫الرئيسية‬ أخبار محليه السردية الأردنية بين الجغرافيا والتاريخ.. حين يتحول المكان إلى معنى
أخبار محليه - مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

السردية الأردنية بين الجغرافيا والتاريخ.. حين يتحول المكان إلى معنى

الرؤيا الإخبارية:

الجغرافيا ظلّ الله على الأرض، والتاريخ ظلّ الإنسان؛ ومن هذا المعنى تبدأ السردية الأردنية، لأن هذا المكان لم يكن يومًا رقعة ساكنة على هامش الزمن، بل كان عقدة عبور وحركة ومعنى. فمنذ العصور القديمة، شكّل الأردن نقطة التقاء بين الحضارات، وممرًا للقوافل والجيوش والأفكار، حيث ربط طريق الملك بين بشان وجلعاد وعمون شمالًا، وبين موآب وأدوم وفاران ومدين جنوبًا، لتغدو الأرض الأردنية جسرًا يصل الجزيرة العربية بالشام ومصر.

وفي عمق هذا التاريخ، وقفت البتراء لا بوصفها مدينة حجر فقط، بل بوصفها مدينة قافلة وحضارة؛ مفترق طرق بين العرب ومصر وسورية الفينيقية، ومركزًا تجاريًا وثقافيًا يعكس عبقرية المكان وقدرته على صناعة المعنى من الجغرافيا.

أما الأردن الحديث، فهو دولة شابة قامت على أرض قديمة، تحمل في طبقاتها آثار العمونيين والموآبيين والأدوميين والأنباط، ثم الرومان والبيزنطيين والعصور الإسلامية المتعاقبة. لذا فإن الذاكرة الأردنية لا تبدأ من الصفر، بل من تراكم حضاري طويل صاغ هوية هذا الوطن عبر القرون.

وعمّان نفسها، المدينة التي أصبحت قلب الدولة الحديثة، ليست مدينة ولدت فجأة، بل مدينة تضرب جذورها في عصور ما قبل التاريخ، حيث كان جبل القلعة شاهدًا على أولى الاستقرارات البشرية، قبل أن تصبح عمّان عاصمة للعمونيين، ثم تخبو طويلًا، ليعاد توطينها في العهد العثماني عام 1878، قبل أن تتحول بعد عام 1921 إلى عاصمة للإمارة الأردنية الحديثة.

ومن هنا، فإن كتابة السردية الأردنية بعد مرور 105 أعوام على تأسيس الدولة الحديثة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية وثقافية. فالإمارة تأسست عام 1921، ونال الأردن استقلاله الكامل عام 1946، والزمن ذاته يدعو اليوم إلى مراجعة الذاكرة وتحويلها من شواهد متناثرة إلى رواية وطنية متماسكة، لأن الأمم التي لا تكتب نفسها، تترك صورتها لعيون الآخرين.

وفي هذه اللحظة، يتجاوز علم الآثار فكرة الحفر في التراب، ليصبح قراءة للزمن الراكد؛ إذ تكشف الآثار التاريخ الصامت، بينما تمنحه القراءة حياة جديدة. والسياسة بدورها تحدد ما الذي يدخل في الرواية الرسمية، وما الذي يبقى خارجها، فيما يفسر علم الاجتماع أسباب تقدّم الذاكرة الشفوية أحيانًا على التدوين المكتوب، ولماذا تتأخر بعض الدول في صياغة سرديتها حتى تستقر مؤسساتها وتتوسع قدرتها على التوثيق.

وقد ظلّت التقاليد الشفوية حاضرة بقوة في التعبير الأدبي والاجتماعي الأردني، قبل أن تبدأ الدولة والمؤسسات الثقافية بإنشاء المتاحف ومراكز التوثيق لحفظ هذا الإرث وإعادة ترتيبه ضمن رواية وطنية أكثر وضوحًا واتساعًا.

ولعل المشكلة الحقيقية ليست في غياب التاريخ، فالتاريخ حاضر في الحجر والاسم والطريق والذاكرة، بل في غياب الحلم القادر على جمع هذه العناصر في وحدة معنى واحدة. فحين يتأخر الحلم، تتبعثر الشواهد، وحين يعود، يعود التاريخ إلى الحياة، لا بوصفه ماضيًا منتهيًا، بل بوصفه امتدادًا لثبات الأمم واستمرارها.

فالأوطان لا تُقاس فقط بما كان فيها، بل بما تستطيع أن ترويه عن نفسها. وما يزال الأردن قادرًا على أن يكتب نفسه من جديد؛ من الطريق إلى المدينة، ومن المدينة إلى المعنى، ومن المعنى إلى الدولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

نجوم النشامى يدعمون النعيمات والقريشي بعد إعلان غيابهما عن كأس العالم

Facebook Twitter Pinterest LinkedIn الرؤيا الإخبارية :- تفاعل نجوم المنتخب الوطني الأردني …