لنُسقط الجاهات قبل أن تُسقط شبابنا في الديون
الرؤيا الإخبارية:-
بقلم: د. حنين البطوش
استشارية نفسية وأسرية وتربوية
في مجتمعاتنا، وخصوصًا المجتمع الأردني، شكّلت جاهات الخطوبة في الماضي رمزًا أصيلًا للفرح والتواصل الاجتماعي، ورسالة احترام متبادل بين العائلات، قائمة على البساطة وحسن النية. غير أن هذا التقليد، مع مرور الزمن، فقد معناه الحقيقي، وتحول من قيمة اجتماعية نبيلة إلى عبء اقتصادي ونفسي ثقيل يثقل كاهل الشباب والأسر على حد سواء.
لقد أصبحت الجاهة اليوم، في كثير من الحالات، ساحة للتفاخر والتباهي بعدد الحضور وفخامة القاعات ومستوى الضيافة، بدل أن تكون خطوة هادئة نحو تأسيس أسرة قائمة على المودة والرحمة. وهنا تكمن المشكلة؛ إذ انتقل التركيز من جوهر الزواج إلى مظاهره، ومن التيسير إلى التعقيد.
في أصلها، لم تكن الجاهة سوى وفد محدود من كبار العائلة، يحمل رسالة القبول والاحترام، ويؤكد الترابط الاجتماعي. أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة، لتتحول إلى سباق اجتماعي مرهق، تُفرض فيه تكاليف باهظة على الأسر، تبدأ من القاعات والولائم، ولا تنتهي عند تفاصيل ثانوية لا تمت بصلة لمعنى الزواج الحقيقي.
واقع الحال يؤكد أن تكلفة الجاهة وحدها قد تصل إلى آلاف الدنانير، وعندما نضيف إليها أعباء الذهب، وبدلة العريس، وفستان العروس، وحفلات الخطوبة والزفاف، نجد أنفسنا أمام أزمة مالية حقيقية. أزمة تدفع الكثير من الشباب إلى الاستدانة، أو تأجيل الزواج، أو العزوف عنه كليًا، وهو ما ينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي والنفسي في المجتمع.
من هنا، فإن الدعوة إلى إلغاء جاهات الخطوبة ليست دعوة لهدم التقاليد أو التنكر للتراث، بل هي خطوة إصلاحية واعية تهدف إلى إعادة الاعتبار للقيم الأصيلة التي قام عليها الزواج: البساطة، الاحترام، والتكافل. فالأموال التي تُهدر على مظاهر مؤقتة يمكن توجيهها إلى ما هو أجدى وأنفع؛ كتجهيز بيت الزوجية، أو تقديم مهر معقول، أو ادخار مبلغ يكون سندًا حقيقيًا للزوجين في بداية حياتهما.
نحن اليوم بحاجة ماسة إلى ثقافة اجتماعية جديدة تعيد ترتيب الأولويات، وتكسر قيود المظاهر الزائفة، وتُعلي من شأن الاعتدال والوعي المجتمعي. ثقافة تشجع الشباب على الزواج دون خوف من الديون، وتمنح الأسرة فرصة للقيام على أسس متينة بدل أن تبدأ مثقلة بالأعباء.
إن إلغاء الجاهات ليس قرارًا ضد التراث، بل هو إحياء لمعناه الحقيقي، وعودة إلى روح التقاليد لا إلى قشورها. فلنُسقط الجاهات قبل أن تُسقط شبابنا في الديون، ولنمنح الزواج فرصة ليعود كما يجب أن يكون: بداية حياة، لا بداية معاناة.
لجنة الأخوّة البرلمانية الأردنية -السعودية تلتقي السفير السعودي
Facebook Twitter Pinterest LinkedIn الرؤيا الإخبارية :- التقت لجنة الأخوّة البرلمانية الأر…







